أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

169

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

قوله تعالى : وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا « 1 » النّجوى هنا مصدر فقط . وقد فسّرت بقوله تعالى : هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ الآية . وإنما قال تعالى : وَأَسَرُّوا مع لفظ النَّجْوَى منبهة أنّهم لم يظهروا ذلك بوجه من الوجوه ، لأنّ النّجوى ربما تظهر . فبالغوا بإخفائها ، فلله درّ فصاحة القرآن ! قوله : وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا « 2 » أي : مناجيا لربّه ، أي مناجى من ربّه حسبما شرحه في قوله تعالى : وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً « 3 » . فنجيّ فعيل إمّا بمعنى فاعل أو بمعنى مفعول . ويقع وصفا للفاعل كما مرّ ، وللجمع كقوله تعالى : خَلَصُوا نَجِيًّا « 4 » أي متناجين يتسارّون فيما يفعلونه ويقولونه لأبيهم . ومعنى خلصوا أي انفردوا عن كلّ أحد . ولا نجد لمحض الرأي واستخراج زبدته أعوز من الخلوة وقلّة اللفظ . وانتجيت زيدا : استخلصته لسرّي . وأنجى فلان : أتى نجوة « 5 » وهم في أرض نجاة ، أي في أرض مستنجى من شجرها العصيّ والقسيّ . والنّجا عند العرب : عيدان قد قشرته . وقال بعضهم : نجوت فلانا : استنكهته ، واحتجّ بقول الشاعر « 6 » : [ من الوافر ] نجوت مجالدا فوجدت منه * كريح الكلب ، مات حديث عهد وكأنّ هذا القائل إنما أخذ ذلك من مجرد هذا البيت فأثبته لغة . قال الراغب « 7 » : فإن يكن حمل نجوت على هذا المعنى من أجل هذا البيت فليس في البيت حجة . وإنما أراد أني ساررته فوجدت من بخره ريح الكلب الميت . وكنّى بالنجو عن الأذى الخارج . ومنه شرب دواء فما أنجاه ، أي لم يفده . والاستنجاء : قطع النجو وإزالته . وأصل

--> ( 1 ) 3 / الأنبياء : 21 . ( 2 ) 52 / مريم : 19 . ( 3 ) 164 / النساء : 4 . ( 4 ) 80 / يوسف : 12 . ( 5 ) في النص اضطراب ، قومناه من المفردات : 484 . ( 6 ) البيت من شواهد اللسان - مادة نجا ، والمفردات : 484 . ( 7 ) المفردات : 484 ، وقد أنقص الناسخ كلاما للراغب فأكملناه .